السيد حيدر الآملي
355
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
( في انّ التوحيد إسقاط الإضافات ) والإضافة أمر اعتباريّ نسبيّ لا وجود له في الخارج ، فمرادهم حينئذ يكون الوجود من حيث هو وجود واعتباره في عالمي الوحدة والكثرة وحضرتي الإطلاق والتقييد والوجوب والإمكان والذّات والصّفة والظهور والبطون ، وإلَّا الوجود من حيث هو هو منزّه عن جميع ذلك فضلا عن الإطلاق وعدم الإطلاق والتقييد وعدم التقييد ، وكذلك الظهور والبطون والأوّل والآخر ، لأنّ الأوّل اسم له بالنّسبة إلى الآخر ، والظَّاهر بالنسبة إلى الباطن ، وكذلك القديم بالنّسبة إلى الحادث ، والواجب بالنسبة إلى الممكن ، والعالم إلى المعلوم ، والقادر إلى المقدور ، وهلمّ جرّا ، والحاصل انّه ليس له اسم عند التّحقيق ولا صفة ولا رسم ولا نعت ولا عين ولا فصل وأمثال ذلك من الاعتبارات ، فإنّ الكلّ عند التحقيق إضافات معدومات ، ونسب اعتباريات ، وإلى هذا المعنى أشار الامام المعصوم سلطان الأولياء والوصيّين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في بعض خطبه وهي الَّتي سبقت متنا وشرحا وهو قوله : « أوّل الدّين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصّفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كلّ موصوف انّه غير الصفة ، فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه ومن ثنّاه فقد جزّأه ومن جزّأه فقد جهله ومن جهله فقد أشار إليه ومن أشار إليه فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه ومن عدّه فقد أبطل أزله » ، إلى قوله : « مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة » ( 156 ) .
--> ( 156 ) قوله : أوّل الدّين معرفته . قطعة من خطبة الأولى في نهج البلاغة . وأمّا قوله ( ع ) في ما نقله السيّد المؤلف : « ومن عدّه فقد أبطل أزله » فلا يوجد في نسخ نهج البلاغة التي بأيدينا . ولكنّه منقول عنه عليه السّلام في حديث آخر ، رواه الكليني في « الكافي » ج 1 ، ص 139 ، الحديث 5 باب جوامع التوحيد ، وعن مولانا عليّ بن موسى الرضا ( ع ) كما رواه الصدوق في « التوحيد » ، باب التوحيد ونفي التشبيه الحديث 14 ، ص 56 . وأمّا ما رواه الكليني باسناده عن الإمام الصادق عليه السّلام عن أمير المؤمنين فهو كما يلي : خطب أمير المؤمنين عليه السّلام النّاس بالكوفة فقال : « الحمد للَّه الملهم عباده حمده وفاطرهم على معرفة ربوبيّته ، الدالّ على وجوده بخلقه ، وبحدوث خلقه على أزله ، وباشتباههم على أن لا شبه له ، المستشهد بآياته على قدرته ، الممتنعة من الصفات ذاته ومن الأبصار رؤيته ومن الأوهام الإحاطة به ، إلى أن قال : فمن وصف اللَّه فقد حدّه ومن حدّه فقد عدّه ومن عدّه فقد أبطل أزله ، ومن قال : أين ؟ فقد غيّاه ، ومن قال : علام ؟ فقد أخلا منه ، ومن قال فيهم فقد ضمّنه . وما رواه الصدوق عن الإمام الرضا عليه السّلام أيضا قريب منه وإضافة فراجع .